في ذاكرتي كأنه بالأمس القريب منذ رحيل علمٌ من أعلام بلدة العراقي بولاية عبري علمٌ لا ولن تنسى مآثره لإن أفعاله الخيّرة قبل أقواله كيف لا وأن الحديث الشريف ينطبق عليه منذ شبابه وحتى رحيله (خيركم من تعلم القرآن وعلمه ) وهنا أعظم وصف وأعظم بشارة لعباد الله اللذين اصطفاهم ووفقهم ليكونوا من الخيّرين إنه علمٌ مخضرم للعصرين القديم والحديث وحينما يقال المعلم فكفى إنه أشهر معلم في عصره وجيله بولاية عبري بلدة العراقي إنه الوالد الجليل الشيخ سعيد بن سالم العبري المعلّم المولود عام 1913 م تقريباً ونشأ في حب العلم منذ صغره وكان متواصلاً مع أهل العلم من علماء عمان وكان كثير التواصل مع سماحة الشيخ إبراهيم بن سعيد العبري مفتي السلطنة السابق والمراسلات المستمرة لأجل العلم والتعلم والاستفتاء وفي عام 1986 م توفاه الله وهو في قمة عطائه رضي الله عنه كل الرضا وأسكنه الفردوس الأعلى من الجنة يارب العالمين . إن التعليم في عمان منذ العصور الأولى كان تحت ظلال الأشجار واستمر حتى بداية عصر النهضة العمانية المباركة حينما قال جلالة السلطان قابوس طيب الله ثراه (سنعلم أبناءنا ولو تحت ظلال الشجر ) فهذا إمتداد ونهج قديم لدى العمانيين فقد أهتموا بالعلم ونشره وتعليم الأبناء وتهذيبهم وتثقيفهم منذ القدم وهنا نخص بالذكر ( أمباة المعلّم ) ببلدة العراقي بولاية عبري فقد كان الشيخ سعيد المعلم يعلم تحت ظلالها الأولاد والبنات القرآن الكريم وعلومه وعرفت حتى اليوم بهذا الإسم فكم وكم من تعلم معه من الأجيال مواصلاً التعليم حتى قبل شهور قليلة من وفاته ورغم كبر سنه في سن ثلاثة وثمانين إلا أنه لم يهتم بالإحالة للتقاعد وهذا من الفضل والبركة في العمر . لقد كان رحمه الله يعلم القرآن الكريم في عدة مواقع داخل بلدة العراقي خلال مسيرته التعليميه الموقع الأول أمباة المعلّم المعروف موقعها بجوار ضواحي البيت على ساقية الفلج العامد وموقعها محاط بجدار معروف والموقع الثاني أصبح ساحة أمام جامع العراقي القديم المسمى حاليا جامع الإمام جابر بن زيد وفي تلك الساحة كانت أيضا أمباة محاطة بجدار صغير قريبا من مفترق فلج العراقي المتفرع لسقي حابس وسقي سنيسل وهنا كان أيضا مصلى للأموات بالقرب من مكان تغسيل الموتى وبعد سنين طويله تم بناء مدرسة بالطين شرقي الساحة المذكورة انتقل إليها رحمه الله آخر سنين تدريسه للقرآن الكريم وهناك موقع ثالث كان قديما مقراً لتعليم القرآن الكريم وهو بجوار شريعة العراقي من جهة الشرق وأحيانا بمسجد الشريعه وذلك حسب الظروف والأحوال وهنا نستدل ونستنتج أن للتعليم أهمية كبرى واهتمام كبير مهما كانت الأحوال ولا يهم الموقع بقدر ما يهم مواصلة رسالة العلم والتعليم لأبناء البلد من ذكور وإناث. لقد كان المعلّم رحمه الله رمزاً ولم تقتصر مهمته للتعليم فقط إنما كان خطيباً للعيدين الفطر والأضحى وخطيب الجمعة في جامع العراقي وإمام في جامع العراقي للصلوات الخمس كما أنه نال ثقة المجتمع فقد كان يتولى الإصلاح بين الناس وعقد القِران وكان أيضا كاتباً للصكوك ببلدة العراقي معتمداً رسمياً وما من بيت في بلدة العراقي بولاية عبري إلا وله ذكريات طيبة وقّدّم لهم خدمة جليله. ومن ذكرياتي في بداية السبعينات كنت أتعلم القرآن الكريم معه في مدرسة الطين المبنية مؤخراً المذكورة أعلاه وكنت حينها تقريبا ابن ست سنوات وحضرنا للمدرسة فجراً والوقت ظلام لأجل قراءة التأمينه آخر يوم قبل العيد وعادة تكون قراءة تأمينة العيد يوم سابع او ثامن شهر ذي الحجه او يوم ٢٧ او٢٨ شهر رمضان المبارك ويعتبر ذلك اليوم يوماً سعيداً بهيجاً في نفوس الجميع واستبشاراً بمقدم العيد السعيد حقاً إنها ذكريات لا ولن تنسى ونحن نتردد في طرقات العراقي بين المدرسة والمسجد والسوق والفلج تحت ظلال النخيل والامبا والأشجار المثمرة في أرجاء العراقي ارض الخير والبركه. وكما علمت أنه سافر لأداء فريضة الحج في بداية حياته على الجمال وكما هو معلوم قديماً كانت قوافل الحج تنطلق بعد عيد الفطر مباشرة حتى تضمن الوصول في الوقت المناسب نظراً لبعد المسافة وتستغرق الرحلة كاملاً لستة أشهر ويزيد والله ييسر ويسهل لحجاج بيت الله الحرام وبعض أهل عمان يذهبون للحج بالسفن البحرية طريق الهند وكلها مشقة ومخاطر والله خير حافظاً وهو أرحم الراحمين. وفي عام 1986أتى أمر الله ولا راد لقضائه إلا هو كانت نهاية رحلة الخير والعطاء لمعلم الأجيال الشيخ سعيد بن سالم العبري المعلّم قضاها في نشر العلم وخدمة المجتمع وقد أكمل أربعون عاماً منذ رحيله رحمه الله وغفر له واسكنه فسيح جناته وستبقى أمباة المعلّم شاهدة عبر السنين القادمة رمزاً للخير والعطاء وذكرى تتجدد عبر الأجيال هنا أمباة المعلّم وهنا مدرسة القرآن الكريم لعشرات السنين.